فوزي آل سيف
372
رجال حول أهل البيت عليهم السلام
| الناس من بعد الصلاة لأوجب([201]) وتوعداه بالقتل.. هل تتصور أن أمّاً تقتل ابنها؟! أو أن أباً يشحذ السكين ليختم بها حياة ولده لحبّ هذا الولد لأمير المؤمنين؟! نعم.. يقول السيد: «فتواعداني بالقتل، فأتيت للأمير عقبة بن مسلم فأخبرته خبري فقال لي: لا تقربهما وأعدّ لي منزلاً أمر لي فيه بما أحتاج إليه وأجرى عليّ جراية تفضل على مؤونتي». وهكذا انفصل عن والديه مسكناً ومعيشة بعد أن انفصل عليهما مذهباً وعقيدة. وانطلق يبحث عن ضالته في دنيا العقائد.. لقد أحب أهل البيت وأترعت نفسه إعجاباً بشخصية أمير المؤمنين، إذ وجده قرآناً ناطقاً ومعجزة متحركة، وتجلياً أعظم لتربية الرسول ، فوقف شعره عليه فأرخ فضائل أمير المؤمنين شعراً. ولهذا العمل أهمية كبرى ذلك أنه جاء بعد سنوات من الحكم الأموي الذي كان فيه نقل فضائل أمير المؤمنين ممنوعاً أشد المنع وكان الراوي لتلك الفضائل يعرض للعقوبة، حتى وإن كانت تلك الفضائل في شرح وتفسير آيات القران الكريم، فمن جهة كان السيد يؤرخ تلك الفضائل، ومن جهة أخرى فإن كون ذلك التاريخ بالشعر يعطيه ميزة خاصة ذلك أن الشعر أسهل تناولاً لدى العرب في ذلك الوقت لحفظه.. وقد كان يستعلم من فضائل الإمام من حفاظ الأحاديث والتابعين ويتتبع المجهول منها حتى يسلّط عليه أنوار شعره ليحفظه الناس إلى الحدّ الذي كان (يتحدى)، أن يوقفه بعضهم على فضيلة غير مذكورة في شعره من فضائل الإمام. كان السيد يأتي الأعمش سليمان بن مهران الكوفي فيكتب عنه فضائل علي أمير المؤمنين ويخرج من عنده ويقول في تلك المعاني شعراً فخرج ذات يوم من عند بعض أعيان الكوفة وقد حمله على فرس وخلع عليه فوقف بالكناسة، ثم قال: يا معشر الكوفيين؟ من جاءني منكم بفضيلة لعلي بن أبي طالب لم أقل فيها شعراً أعطيته فرسي هذا وما علي، فجعلوا يحدثونه وينشدهم حتى أتاه رجل منهم وقال: إن أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عزم على الركوب فلبس ثيابه وأراد الخف فلبس أحد خفيه ثم أهوى إلى آخر ليأخذه فانقض عقاب من السماء فحلق به ثم ألقاه فسقط منه أسود (ثعبان) وانساب فدخل حجراً فلبس عليّ الخف.. ولم يكن قد قال في ذلك شيئاً ففكر هنيهة ثم قال: ألا يا قوم للعجب العجاب لخف أبي الحسين وللحباب أتى خفّاً له وانساب فيه لينهش رجله منه بناب فخرّ من السماء له عقاب من العقبان أو شبه العقاب فطار به فحلق ثم أهوى به للأرض من دون السحاب ودوفع عن أبي حسن علي نقيع سمامه بعد انسياب ثم حرّك فرسه وثناها وأعطى كل ما كان معه من المال والفرس للذي روى له الخبر وقال: إني لم كن قلت في هذا شيئاً([202]). ولأنه رأى الظلم قد مدّ بساطه الأسود على المجتمع في صورة ضحايا وشهداء وأرامل ويتامى، فقد كان يرتقب الفجر، ويأمل في تحول هذه الأوضاع وتغيرها، إلى مجتمع العدالة والحرية والرفاه، وحيث كان من الكوفيين من يعتقد في إمامة محمد بن الحنفية بعد أخويه الحسن والحسين، وأنه- أي محمد- لم يمت، وإنما ينتظر لإعلان الثورة على الفساد وإقامة العدل والحق، خصوصاً لكونه من بني هاشم ولمطابقة اسمه لاسم النبي . وكان على هذه العقيدة طائفة سميت فيما بعد بالكيسانية. ولشعور السيد المرهف وإحساسه بوقع الظلم، وأمله في تغيير هذا الواقع فقد لقيت هذه العقيدة في
--> 201 )الغدير 2/ 232. 202 ) / الغدير 2/ 242.